في محاولة جادة منّا كشباب وشابات في هذا العصر، بأن نجلس في الزاوية الحذرة ونسير كما يسر الآخر في خط مستقيم، نلاحق رغبات المجتمع، ورغبات الأهل، ومصير النزاعات، وحالات التوتر المستمره، يعاود الصوت الداخلي بداخلك ليخبرك، عُد الى عقدك
عَقدك الإجتماعي القديم، أو منظومتك الخرافية، أو مصيرك المحتوم، أو أمجاد العظماء من قبيلتك وشعبك وعرقك ودينك، أو أفكار المفكرين من أصولك ومناطقك المشتركين معك بذات أحلامك أو أوهامك، عُد الى عُقدك
عُقد الماضي المحمولة على أكتافك، وعُقد المصير الحالم بواقع مثالي، وعُقد الحمد والشكر وعدم التذمر، عُقد الإصلاح دون البذل والسعي، وعقد السير في خط مستقيم، ادرس جيداً، احصل على شهادة، تتوظف، وتستقر!
خط مستقيم معروف البداية والنهاية، ولدت لتموت، أو ولدت لتموت، حتى لو تشابك الواقع اليوم بكل متغيراته، أنت كشاب عليك أن تختار من الخط المستقيم خطاً آخراً لتسير عليه، خطوات منتظمه يسير عليها الفرد لتصل به الى ذات النتيجه وهي “الموت”!
وفي حال لم تستطع أن تعود لأحد العقدين، ستجد ذاتك في مطب جلد الذات، ستجد ذاتك في غربة مع أفكارك وأفكار الآخر، ستجد أن جهدك المبذول مع حجم النتائج المرجوه لا يتناسب لا طردياً ولا عكسياً وربما لن تجد معادلة جبريه حتى لوصفه، ستجد أنك تربيت على خِدع متراكمة وتُركت وحيداً في وسط الزحام لتفككها !
الخط المستقيم الذي يرسمه الواقع لم يعد يقدم حلاً ولا سلوكاً، إنما مزيداً من تراكم الأعباء والضغوطات المجتمعية التي تنظر للفكره ببعد واحد (خطي الإتجاه) ومع خلقها لمزيد من جلد الذات خلقت أيضاً متلازمة “الوهم” والتي أوجدت متلازمة “الجهد الضائع”
كثيراً ما تنظر الى مفهوم الإنجاز فلا تجد له تفسيراً، وتنظر لمفهوم الوحده فلا تجد لها تفسيراً، وظهرت معها مفاهيم مثل “الشغف” “الطاقة” ” الوصول” ” التفاعل”، والتي تأتي كنتيجة للسعي والعمل وهي ليست خطوات النجاح!
بطريقه أكثر تحليلاً، الجهد المبذول للسير في طريق معروف الوجهه محدد الإختيارات، مرسوم اللوائح، مفروض فيه ماذا يأتي بعد ماذا، هو بالضروره جهد ضائع، لأنه لا يترك أي تقييم للمسارات البديلة وكأنها تستحق التجربة.
التفكير الخطي يخلق اليوم نظام ومنظومة غير مرنه وغير قابله للتأقلم مع كل أزمات الواقع، ومطبات الواقع، وتفترض حياة وردية “خالية من الصفعات” وأيضاً منتهية الصلاحية بكل الأحوال!
كيف، ونحن أيضاً نعيش تقلبات هائله، تسارع غير مفهوم لكل شي، بدءاً من الدين وصولاً الى الطعام، انتقالاً الى الهوية، وصولاً الى السياسة، إنطلاقاً من زخم الأحداث، توقفاً بعدم فهم الذات والثوابت، التقلبات الهائله هذه لا يمكن أبداً فرض “تفكير خطي” قادر على إدارتها ثم تحميل ذات “التفكير الخطي” العبء بالفشل والنجاح!
في كواليس إقتصادنا السياسي، التفكير الخطي يجعلك تستهلك الموارد وتنتظر النتيجة، يبيعك وهم ‘السبب والنتيجة’ في مسارٍ ذي نهاية مسدودة، يجعلك أسيراً لمسارٍ واحد منزوع السياق، لأنك عندما تضع مواردك وتستهلكها في إنتظار النتيجة هذا يعني “وهم النمو”
ومن هنا تأتي متلازمة “وهم النجاح”، والتي كنت أرغب في طرحها سابقاً بطريقه نقديه تقف متسائله أمام لماذا يلاحق المجتمع هكذا وهم، ولكن بعد التفكير أجد أنني لابد أن أحزن علينا كشباب وشابات هذا العصر، فتخيل معي أن هذا “الوهم من النجاح هو ما يعطي المعنى الداخلي للفرد بأنه موجود، ومرغوب به، ومتقبل، ويسير على عقد إجتماعي ولا يكسر العُقد المتراكمة في مجتمعه، فبتالي أصبح “وهم النجاح المنتشر” أسهل وسيله للهروب من تحديات الواقع المتداخله، وأسهل طريقه لتجاوز المعارك، وينهي “عقده الذنب والفشل”!
وهم الإختيارات، وهم الوصول، وهم المهارات، وهم التميز، وهم النجاح!
جميعها أوهام تأتي كنتيجة لإجبار الفرد السير في خط مستقيم، عوضاً عن تحرير هذا الخط وجعل حلقات ومتغيرات وضبابية الأحداث مع مهارات الفرد وتعلمه واختيارته هي التي تخلق النتيجة. فالمشكلة ليست نقصاً في الكفاءه اذا كانت المهارات تم تجربتها أو بناءها بطريقه عميقه، بل في محاولتنا تطبيق معادلة “خطية” ثابتة داخل واقع يدار بعقليه اقتصادية سياسية مصمم ليكون عشوائياً، غير متوقع، ومبنياً على شبكات نفوذ معقدة تكافئ المحسوبية والريعية.
لذلك لا يمكن إعتبار جهد الفرد ضائع، بل هو اليوم يُستهلك في محاولة فهم نظام خاطئ، وهنا تمكن المشكلة اذ خُدعنا جميعاً في محاوله تقييم هذا الوهم، أو إدراكه، ووضع مهاراتنا وأدواتنا وطاقتنا في سبيل ايجاد “المعنى بداخل هذا الوهم” فلا كانت النتيجة نجاح مُرضي ولا حتى رضى حقيقي عن الذات!
فكيف نقيس نجاحنا كبشر في مسار خطي لا يضيف متغيرات العصر ضمن وصفته عوضاً عن تحرير التفكير ليكون متداخلاً وذا نظام متفاعل!
في كواليس إقتصادنا السياسي، التفكير المنظومي يعلّمك كيف تصمم نظاماً يغذي نفسه بنفسه، يبني مرونة تستوعب الصدمات، وتعلّمنا كيف نقرأ (الفوضى) على أنها مجرد نظام لم نفهم قواعده بعد، حيث لا توجد نفايات للجهد، بل إعادة تدوير مستمرة للفرص، وقد يمنحك التفكير المنظومي البصيرة لندرك أننا نعيش داخل شبكة معقدة؛ حيث كل قرار يرسل تموجات خفية تعيد تشكيل النظام بأكمل
في هذه السلسلة من المقالات والتي ستكون أيضاً متاحة صوتياً ضمن بودكاست جديد مع براءة بطاينة، هناك نهج واحد يحركنا لفهم كيف يدور العالم من حولنا؛ وهو التفكير المنظومي. سنحاول إسقاط هذا النهج على كل تداخلات الأحداث في حياتنا: من حق الاختيار وحق المصير، إلى المشاكل السياسية وغياب الهوية، ووهم الحقيقة، وصولاً إلى المسارات الاقتصادية.. بطريقة ممنهجة ومتكاملة تجيب على سؤال جوهري: كيف يفكك التفكير المنظومي فوضى الاقتصاد والسياسة للشباب العربي؟
معكم براءة بطاينة، مهندسة باحثة ومحللة سياسات، خبره ١٠ سنوات في مجال إدارة المعرفه وقياس الأثر في ملف الشباب والشابات في المنطقة العربية، ماستر في الإقتصاد السياسي ملف التحول الرقمي من ايطاليا، وبكالوريوس هندسة جيوماتكس وبيانات مكانية من الأردن.