أتظن أنك “ترس” في نظام أكبر منك؟
منزوع الإرادة أعمى الرؤية، قابل للإستبدال، وتدور في مكانك؟
أتظن أنك لا تتقدم خطوة واحدة للأمام، تستهلك عمرك وطاقتك فقط ليبقى النظام الأكبر مستقراً ومستمراً في حركته؟
أو ترى أنك تملَأُ الفراغ كصفة مجردة، بعيداً عن مناسبة مواصفاتك لملء هذا الفراغ؟ وعند غيابك يسهل استبدالك بشخص آخر يملأ ذات الفراغ؟
هذا ما يُجسد نظرياً وتحليلياً، نشأة الأنظمة الفرعية، وهو هيكل أو كيان وظيفي مصغر يعمل داخل نظام أشمل وأكثر تعقيداً (Macro-system)، يمتلك هذا الهيكل حدوده الخاصة، وقواعده، وديناميكيته الداخلية التي تمنح المتواجدين داخله شعوراً بالاستقرار والاستقلالية، لكنه في جوهره كيان غير سيادي؛ إذ يعتمد في بقائه وتغذيته بالكامل على النظام الأكبر، ويخضع حتمياً لصدماته وتقلباته، بحيث يكون أول المتصدعين إذا ما تغيرت قواعد اللعبة في المنظومة الأم.
الأنظمة الفرعية لا تعيش في فراغ بل تتغذى على بعضها، في بيئة تفتقر للاستقرار، عندما يفشل نظام فرعي، فإنه لا يتحمل مسؤولية فشله، بل يقوم بـ “تصدير الأزمة” لنظام فرعي آخر. مثلاً: عندما يضعف “النظام الفرعي الاستثماري/الاقتصادي” ولا يولد فرصاً، فإنه يصدر الأزمة فوراً إلى “النظام الفرعي التعليمي” الذي يجد نفسه يُخرج آلاف العاطلين عن العمل. التعليم بدوره يصدر الأزمة إلى “النظام الفرعي الاجتماعي” (تأخر في استقلالية الشباب، ضغط على الأسر، إحباط عام). الشاب العالق في المنتصف يجلد ذاته ظناً منه أن الخلل في مهاراته، بينما هو فعلياً يتلقى موجات ارتدادية من أنظمة فرعية تنهار وترمي أحمالها المتراكمة على كتفيه.
تخيل معي، أن البيروقراطية المؤسسية التي تحول الفرد إلى مجرد “ترس” داخل نظام قابل للاستبدال، هي نفسها التي تجعل منه نظام فرعي مرتبط بالنظام الأصلي! فقيمة الفرد مستمده من بقاءه في هذا الموقع، أو هذا “المنصب”،وكالعادة بما أن الشيء أرتبط بقيمة الفرد فإن الخروج عنه يعتبر جُرم يحاسب عليه القانون أو “المنظومة” وقد يعاقب عليه العقل الجمعي بحجة “الأمان!”
وهنا أقصد الأمان الوظيفي، أو الأمان المؤسسي أو الأمان الأسري!، فأنت كجزء من هذا النظام الجامد ذو الخطوط المرسومة تسير من أجل إتباع “مخطط” محدد وتحتاج الى جميع عناصره حتى يكتمل لك المخطط، وهذا الأمان هو نتيجة إتباعك لما حقق الأمان لغيرك في الماضي، بعيداً كل البعد عن فهم متغيرات زمنك، وتقلبات واقعك أو ضبابية نمو اختياراتك حتى!
وفي عالم اقتصاده وسياسته فوضوية كعالمنا، عندما يتلقى النظام الأكبر صدمة مفاجئة؛ كطفرة غير متوقعة في الذكاء الاصطناعي، أو انهيار قطاع اقتصادي كامل، تتصدع هذه الأنظمة الفرعية الهشة، وتصبح شهاداتنا، مناصبنا،مؤسساتنا بلا قيمة.
قبل أن أجيب على سؤال كيف لا نتوه في هذا، وهل التغيير بحد ذاته وإختيار مسارات جديده هو الحل؟
أو لربما الخروج من هذا الصندوق الأكبر والأصغر يعني التحرر وإختيار مسار غير مدروس! و بالضرورة قد يولد توهان جديد! وإن كنت أعي تماماً أن الحرية في كسر المسارات لا تعني أبداً أن تهلك نفسك بلا وعي، أو أن تقفز في الفراغ لمجرد التمرد.
ولكن أعترف لك.. أنا أخاف أن تمشي ونمشي بلا وصول! أخاف أن تتوه في الرحلة المفتوحة، وأن تضيف لهذه التوليفة التحررية الكثير من البهارات، والمُلهيات، والمسكّرات الفكرية، والمستهلكات الحديثة التي قد تقتل روحك “كفرد”، وتجعلك مجرد مستهلك آخر يعتقد أنه حُر، بينما هو ضائع في زحام الخيارات، أو عوضاً عن بناء ذاتك بطريقة منظمة “منظومية” تختار أن تتجاهل تساؤلاتك وتهرب منها، ومع وعيك بأن العالم متقلب سوف تختار التوقف، توقف مِليء الفراغ، وتترك نفسك للفراغ!، مع أن المعادلة هنا تحتاج عقلك الواعي؛ وعيك بأنك “إنسان” حي يمتلك الإرادة، ولست مجرد نموذج وهمي لكائنات تُبرمجها الأنظمة لتؤدي دوراً وتنتهي.
أعلم أن هذا الكلام قد يبدو مرعباً للبعض، وأي أحد استمع لبودكاست (٣٠ قبل ٣٠)، وتحديداً “حلقة الخوف من الجديد”، سيتذكر كيف ناقشنا أن التكيف مع مواقف الحياة غير المعروفة والمفاجآت ليس سهلاً على الجميع، أن تختار السير خارج الخط المرسوم هو تغيير يواجهه الكثير من الخوف، وهو خوف مبرر ومبني على غريزة “الحفاظ على الذات”، فنحن نتمسك بالمسارات الخطية لنحمي أنفسنا من المجهول!
لكن، هل خوفنا من المجهول يمنع المجهول من مفاجأتنا؟ هل يعني هذا أن الحياة لن تغير مسارها فجأة؟ دعونا نكون واقعيين: نحن كل يوم نصحو ولا نعرف ماذا سنواجه! نحن كل يوم نمر من شارع قد يكون مغلقاً نتيجة حادث، فنُجبر على تغيير مسارنا، نحن كل سنة نتعرض لظروف صحية قد تمنعنا من القيام بشيء روتيني اعتدنا عليه. ونحن في كل لحظة معرضون لأن نجد أنفسنا في مكان وزمان مختلفين لظروف خارجة عن إرادتنا تماماً (حروب، زلازل، مشاكل اقتصادية، صدمات.. وغيرها!).
إذن، أمام كل هذا اللايقين الحتمي؛ كيف يجب أن نعيد برمجة أنفسنا ثم نتمرد على هذه الهياكل الصلبة، ثم لا نتوه؟
الطبقة الجديدة التي علينا تفكيكها هي الشعور بالأمان، هذا الأمان المرتبط بعدم قبول أي مسار بديل، وتكيف نفسنا، تدريبها وتعليمها على خلق “عُقد مرنة” (Nodes)؛ تمتلك مهارات متقاطعة تخلق لنا علاقات متشابكه متداخلة مع قطاعات متعددة في آن واحد، دون أن تكون مرتبطة فقط بشهادة واحدة، وظيفه واحده، مهارة واحده، مستقبل واحد، نهاية واحدة، نتيجة واحدة!
هنا بالضبط يتدخل التفكير المنظومي (Systems Thinking) ليأخذنا إلى إطار مختلف، وحتى نتحدث بلغة عملية، ماذا نفعل؟ هل نبقى داخل السرب أم نخرج منه؟ وكيف نضمن ألا نخسر؟
التدريب المستمر على الخروج من نظام ثابت، التأقلم والتكييف لن يأتي بمجرد أن تجرب مرة واحده، سوف تجرب، وتجعل التعلم جزء من هواياتك، سوف تجرب وتعود بعدها لمكانك ربما، لكنك ستجعل رفض البقاء على ذات الحال جزء من هويتك كل سنه، كل سنتين، أو كل خمس سنوات!، وهنا لا أقصد بأن لا تجلس في نظام مستقر أو بيئه مستقره، لكن قد تكون بيئتك المستقره هي بيتك، مكتبك، أقلامك وغيرها من الأشياء الملموسه “الفيزيائية”، لكن عندما يأتي الإستقرار على النظام المهني/ المسار الخطي للنجاح والتكيف، هُنا عليك أن تتأقلم على التغيير!
لذلك، التفكير المنظومي يعلمك كيف تعيد بناء هويتك حول “ما تجيد فعله” و”قدرتك على التشابك”، وليس حول “الموقع الذي تجلس فيه”.
هذا النهج لا يطلب منك أن تترك وظيفتك غداً صباحاً، أو تتوقف عن دراستك الجامعية وتقفز في الفراغ بحجة “التمرد”، المطلوب ببساطة هو أن تبقى داخل السرب، لكن بعقلية مختلفة كلياً، عملياً، هذا يعني ألا تراهن بحياتك ومصدر دخلك على قطاع واحد أو لقب وظيفي واحد يضعه المجتمع في إطار ذهبي، استغل وجودك داخل مؤسستك لتتعلم مهارات متقاطعة؛ إن كنت مبرمجاً افهم في إدارة المشاريع، وإن كنت تعمل في قطاع التنمية تعلم تحليل البيانات، راقب أين تتجه بوصلة الاقتصاد والسياسة، وأين تُضخ الأموال، أن تبني شبكة علاقات تتجاوز حدود مكتبك وتخصصك الضيق، لأن هذه الشبكة المتنوعة هي “شبكة الأمان” الحقيقية التي ستلتقطك حين تتغير الظروف.
التحرر الحقيقي ليس في أن ترفس الطاولة وتنسحب بلا خطة، التحرر بوعي هو أن تلعب بقواعد النظام الحالي لتكسب قوت يومك، بينما تبني في الخفاء مرونتك، وتجهز مساراتك البديلة، لتكون مستعداً للقفز إلى قارب آخر إذا بدأ القارب الذي تركبه الآن بالغرق، حينها فقط، ستدرك أن الأمان الحقيقي ليس في الاختباء داخل تصنيف واحد، بل في قدرتك على رؤية الصورة الكاملة والتشابك معها، وهذا تحديداً ما يعنيه أن تختار بوعيك أن تكون!.

وفي هذا السياق أدعوكم لتسافروا معي في رحلة تعلمية جديدة، لنقف ونتسائل هل التخلي عن الوهم يعتبر فلسفه أم يمكن تعلمها؟ وكيف نجعل عمرنا مخزون متنوع أولا عن الحياة ثم عن الإنسان والأهم عن امكانياتنا كبشر!
في هذه السلسلة من المقالات والتي ستكون أيضاً متاحة صوتياً ضمن بودكاست جديد مع براءة بطاينة، هناك نهج واحد يحركنا لفهم كيف يدور العالم من حولنا؛ وهو التفكير المنظومي Systems Thinking . سنحاول إسقاط هذا النهج على كل تداخلات الأحداث في حياتنا: من حق الاختيار وحق المصير، إلى المشاكل السياسية وغياب الهوية، ووهم الحقيقة، وصولاً إلى المسارات الاقتصادية.. بطريقة ممنهجة ومتكاملة تجيب على سؤال جوهري: كيف يفكك التفكير المنظومي فوضى الاقتصاد والسياسة للشباب العربي؟
بودكاست اجتماعي شبابي يهدف الى إعادة تعريف “منظومة التفكير خارج الخط المستقيم”
براءة بطاينة، مهندسة باحثة ومحللة سياسات، خبره ١٠ سنوات في مجال إدارة المعرفه وقياس الأثر في ملف الشباب والشابات في المنطقة العربية، ماستر في الإقتصاد السياسي ملف التحول الرقمي من ايطاليا، وبكالوريوس هندسة جيوماتكس وبيانات مكانية من الأردن.