من بين جميع الحكايات، هناك حكاية واحدة أرغب في روايتها
حكاية المكان، ذلك الحدث الذي لا يشبه تفاصيل لونه، وانما تفاصيل اخرى شكّلت ماضيه واوجدت هويته، وجعلت من المكان حدثاً يستحق ان يُعاد عيشه، او يُعاد احياء التفاصيل فيه ولكن في عصر آخر.
المكان، ذلك الذي يُعاد فيه إلتقاط الأرواح وبث الأمل وخلق القصص وصناعة الحاضر… المكان، الذي قد يراه الجميع بمكوناته ولكن هو يرى ويروي نفسه بمن عبروا خلاله ومن تركوا فيه اثراً، ومن خلقوا فيه اول خطواتهم وآخر لقاءاتهم ثم انطلقوا في المجهول..
وعادةً، البحث عن المكان ليس بمحظ الصدفه، وانما هو التقدير والقدرة على الاتصال بحيث تأخذك اقدارك الى أماكن لتعيد صقلك، او لتعيد تشكيل خطواتك، فتبدأ منها او تُنهي حكاية فيها لتبدأ أخرى … فهذه انا وهذه حكايتي.
انا لستُ رواية، ولست حكاية انا حالة الحدث المتحرك بذاته، وحالة السكون لحظة الانصات، وحالة الوعي لحظة الغياب، وحالة الوهم لحظة الإدراك، جميعها معاً تشكيلة متكاملة من الانكار للوهم وإعادة تشكيل سليم للذات بما تستحقه…!، او بما تحتاجه لا بما يطلبه منها الآخرون، لا بما بمليه عليها الأحياء والأموات، انما هي “التجربة” التي تخلق “المعنى” وتخلق “الفكرة، وتخلق الأحداث … وتخلق يقيناً حقاً انك على قيد الحياة…
على قيد الحياة، لانك تتألم عندما يبكي الماضي، وتشعر ان أرواح الماضي المثقلة عاشت ألماً، فالمكان لا يروي قصة الفرح الزائف عن حضارة مرت من هُنا، ولكن المكان يروي عن شعوبٍ بكت هنا، قتلت هنا … ودفنت هنا
على قيد الحياة، لانك ترقص حين كانت “الوحده” تعني أصواتا متناغمة ونغماً حياً وقرعاً آخرا للطبول، فالمكان لا يروي قصة الفقد وانما قصة ايجاد الذات، حين تشعر انك هُنا حياً قادراً على الفرح، وقادراً على الضحك وقادراً على ايجاد متعٍ أخرى غير الأكل والنوم والشرب!
على قيد الحياة، لانك تَكبر حولاً وتقبلُ أعمق، وتحتار بين الوعي والنضج، وبين التهور و المغامرة، وتحتار اذا ما بقي شيء لتخسره، ام ان أمامك الكثير لتعيشه، محتاراً ماذا يعني ان تُقبل على الحياة باسطاً ذراعك متقبلاً، ام تُقبل خوفاً من ان تعود الى نقطة البداية!
جميع هذه الحكايات، بدأت من “المكان”، صوره مفرغة من المعالم مكتملة المشاعر وتفيض بك انت لتعيد ترتيبك … هي حكايات تستحق أن تُروى … وانا هنّا لأرويها.
بحيرة بولزينا- ايطاليا – غروب ٢/٥/٢٠٢٦